تقارير صحفيه

نظارات الذكاء الاصطناعي – الجيل القادم الذي قد ينهي عصر الهواتف الذكية

سلوي احمد

محرر تقني • يونيو 5, 2026

img_20260604_818cd012
 يا صديقي، لو رجعنا بالزمن عشرين عاماً للوراء، كان مجرد تخيل اختراع هاتف ذكي بشاشة لمس نقية، كاميرا عالية الدقة، وإنترنت سريع في جيبك، هو ضرب من الخيال العلمي البحت. الهواتف الذكية ظهرت وغيرت طريقة تواصلنا، إنجازنا لأعمالنا، وشكلت حياتنا بالكامل. لكن، هل سألت نفسك يوماً وسط هذا التطور: ماذا بعد الهاتف الذكي؟ هل سنظل نمسك ونحدق في هذه الشاشات الزجاجية في أيدينا للأبد؟

في الأروقة المغلقة والمختبرات السرية لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل ميتا، جوجل، وأوبن إيه آي، الإجابة هي: “لا قاطعة”. العالم التقني يستعد الآن بكل طاقته وميزانياته للانتقال إلى المنصة الحوسبية القادمة، وهي نظارات الذكاء الاصطناعي. نحن لا نتحدث هنا إطلاقاً عن خوذات ونظارات الواقع الافتراضي الضخمة والمكلفة جداً التي تعزلك تماماً عن العالم الحقيقي، بل نتحدث عن نظارات خفيفة الوزن، أنيقة التصميم، تشبه تماماً نظاراتك الطبية أو الشمسية العادية، ولكنها تخفي بداخل إطاراتها عقلاً إلكترونياً متطوراً يرى بالضبط ما تراه، ويسمع ما تسمعه، ويتحدث ويتفاعل معك في الوقت الفعلي.

ولأننا نعتمد دائماً على المنهجية التحليلية الصارمة والواقعية في تقديم المعلومات الموثوقة والتقييم التقني الصادق، قمنا بتفكيك هذه التكنولوجيا القادمة لنفهمها بعمق. كيف ستعمل هذه النظارات فعلياً؟ وما هي التحديات الهندسية والفيزيائية التي تمنعها من استبدال هواتفنا المحمولة غداً صباحاً؟ والأهم من كل ذلك، كيف ستتعامل المجتمعات والبشرية مع كابوس الخصوصية المرعب عندما يرتدي الجميع كاميرات وميكروفونات نشطة على وجوههم؟ في هذا المقال الدسم والشامل، سنأخذك في رحلة إلى المستقبل القريب لتعرف كل شيء عن التقنية التي قد تكتب الفصل الأخير في عصر الهواتف الذكية.

 لماذا يبحث العالم عن بديل للهواتف؟

لكي ندرك بوضوح أهمية نظارات الذكاء الاصطناعي، يجب أن نفهم أولاً، وبنظرة ناقدة، لماذا وصلت صناعة الهواتف الذكية إلى مرحلة الركود الابتكاري وطريق مسدود تقريباً. يا صديقي، انظر بتأمل إلى الهواتف الجديدة التي تصدر في السنوات الأخيرة؛ هي مجرد زيادة رقمية في سرعة المعالج، تحسين طفيف غير ملحوظ في دقة الكاميرا، وتغيير شكلي في أماكن العدسات. التصميم الجوهري والأساسي لم يتغير جذرياً منذ عام ألفين وسبعة. الأهم من ذلك العيب التقني، هو العيب السلوكي: الهواتف الذكية تجبرنا دائماً على الانفصال التام عن الواقع المحيط. لكي تقرأ رسالة نصية، أو تبحث عن معلومة سريعة، أو تتتبع خريطة للوصول لهدفك، يجب أن تخفض رأسك وتنظر إلى شاشة صغيرة، مما يقطع تواصلك البصري ويعزلك عن بيئتك والأشخاص حولك.

الرؤية التقنية الجديدة والفلسفة القادمة تعتمد كلياً على مفهوم الحوسبة المحيطية. الفكرة الجوهرية هنا هي أن التكنولوجيا المتقدمة يجب أن تكون غير مرئية، متداخلة بسلاسة في نسيج حياتك اليومية، وتعمل في الخلفية بهدوء لمساعدتك دون أن تضطر لإخراج أي جهاز من جيبك وإشغال يديك. النظارات تعتبر هي المكان الفسيولوجي والمثالي لزرع هذه التكنولوجيا؛ فهي توجد بشكل طبيعي على وجهك، بالقرب من عينيك (لرؤية العالم كما تراه)، وبالقرب من أذنيك (للتواصل الصوتي المباشر)، وبالقرب من فمك (لإعطاء الأوامر الصوتية بوضوح). هذا هو السياق الطبيعي، المنطقي، والعملي الذي خلق الحاجة الملحة والسباق لتطوير نظارات الذكاء الاصطناعي المدمجة.

ما هي النظارات الذكية حقاً؟

هناك خلط فني كبير لدى الجمهور بين نظارات الذكاء الاصطناعي، ونظارات الواقع المعزز، وخوذات الواقع الافتراضي. شركات التكنولوجيا أدركت متأخراً وبعد خسائر فادحة أن محاولة وضع شاشات عرض ضخمة ومعقدة أمام العين لتعرض مجسمات ثلاثية الأبعاد في الهواء الطلق يتطلب بطاريات ضخمة جداً، ومعالجات قوية تولد حرارة عالية لا يتحملها الوجه، مما يجعل النظارة قبيحة الشكل، ثقيلة الوزن، وغير عملية إطلاقاً للاستخدام اليومي الطويل.

التوجه التقني الجديد والذكي، والذي بدأته نظارات مثل راي بان ميتا وغيرها من النماذج الاختبارية الحديثة، يتخلى تماماً عن فكرة الشاشات المعقدة ويركز كل طاقته على الذكاء والتحليل. النظارة الجيل الجديد تحتوي فقط على كاميرا صغيرة جداً ومخفية، ميكروفونات دقيقة تلتقط الصوت بوضوح، وسماعات عظمية أو توجيهية توصل الصوت لأذنك فقط. الاعتماد الأساسي هنا ليس على إبهارك بصرياً بالرسوميات، بل على قوة النماذج اللغوية الكبيرة متعددة الوسائط والمدعومة بالذكاء الاصطناعي. هذه النظارات تعمل كمساعد شخصي فائق الذكاء يعيش على وجهك، يفهم السياق المحيط بك تماماً من خلال الرؤية والسمع، ويجيبك صوتياً بهدوء، أو من خلال شاشة عرض أمامية شفافة وبسيطة جداً لا ترهق العين ولا تعيق الرؤية الطبيعية.

كيف يرى الذكاء الاصطناعي العالم؟

السر التقني وراء قوة هذه النظارات ليس في المكونات المادية (الهاردوير) فحسب، بل في العقل البرمجي (السوفت وير). الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً حرفياً على الرؤية وتحليل الصور. عندما ترتدي النظارة وتنظر إلى قائمة طعام مكتوبة باللغة الكورية، الكاميرا المدمجة في النظارة تلتقط الصورة فوراً، وترسلها في أجزاء من الثانية إلى نموذج الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت للمعالجة الفورية.

يا صديقي، الذكاء الاصطناعي الحديث لا يكتفي فقط بترجمة الكلمات حرفياً كما تفعل التطبيقات القديمة، بل يفهم السياق والنية. يمكنك أن تسأل النظارة ببساطة: “أنا أعاني من حساسية مفرطة تجاه الفول السوداني، هل يوجد في هذه القائمة ما يضرني صحياً؟”. النظارة ستقوم بتحليل المكونات المكتوبة، وتقاطعها مع وضعك الصحي، وتجيبك في أذنك بصوت طبيعي وهادئ: “الطبق الثالث يحتوي صراحة على زيت الفول السوداني، تجنبه تماماً. أنصحك بطلب الطبق الأول لأنه آمن لك”. بل يمكنك أن تقف أمام ثلاجتك المفتوحة في المنزل وتسأل النظارة: “ماذا يمكنني أن أطبخ اليوم بهذه المكونات المتاحة؟” فتقترح عليك فوراً وصفات شهية بناءً على ما تراه الكاميرا بداخل الثلاجة. هذا المستوى المتقدم جداً من التفاعل يسمى الإدراك السياقي، وهو تحديداً ما يجعل هذه النظارات أداة ثورية ومرعبة بحق.

 كيف ستتغير حياتنا اليومية؟

إذا نجحت هذه التكنولوجيا فعلياً في التغلب على عقباتها المادية، فإنها ستغير كل شيء نفعله تقريباً. دعونا نستعرض معاً بعض السيناريوهات الواقعية التي يحللها الخبراء:

الترجمة الفورية الحية والمباشرة: تخيل أن تسافر في رحلة عمل إلى اليابان، شخص محلي يتحدث إليك بلغته الأم، والنظارة تستمع، تحلل، وتترجم كلامه فوراً إلى العربية وتهمس به في أذنك، ثم تترجم ردك العربي المنطوق إلى اليابانية عبر مكبر صوت صغير وتوجيهي. حاجز اللغة والتواصل بين البشر سيتلاشى تماماً وكأنه لم يكن.

الملاحة الآمنة بدون شاشات مشتتة: بدلاً من السير في الشوارع المزدحمة وأنت تنظر للأسفل نحو خريطة هاتفك، ستعرض لك النظارة أسهماً صغيرة ومضيئة (عبر عرض ليزري بسيط جداً على زجاج العدسة) ترشدك بدقة إلى المنعطف التالي، مع تنبيهك صوتياً فوراً إذا كان هناك خطر مروري، سيارة مسرعة، أو عائق أمامك.

الذاكرة الفوتوغرافية والاجتماعية المدعمة: يمكنك أن تقابل شخصاً في مؤتمر عمل كبير، وتقوم النظارة فوراً بالتعرف على وجهه من خلال قواعد البيانات، وتهمس في أذنك بصمت: “هذا أحمد، قابلته العام الماضي في دبي، ويعمل حالياً مديراً للتسويق في الشركة المنافسة”. النظارة ستصبح بمثابة قرص صلب إضافي لذاكرتك، تسجل، تفهرس، وتسترجع المعلومات الدقيقة التي تنساها أدمغتنا المزدحمة والمشتتة.

المساعد المهني والتعليمي اللحظي: طالب طب يرتدي النظارة أثناء عملية التشريح المعقدة، وتقوم النظارة بتحديد وإبراز أسماء الأوردة والشرايين الدقيقة أمامه. مهندس ميكانيكا ينظر إلى محرك سيارة معطل، فتقرأ النظارة كود العطل وتضع له دائرة حمراء افتراضية على القطعة التالفة تحديداً التي يجب تبديلها مع عرض خطوات الإصلاح.

 لماذا لا نستغني عن هواتفنا غداً؟

بالرغم من كل هذه الوعود التقنية المبهرة والخيالية، المنهجية التحليلية الصادقة تلزمنا بتوضيح العوائق الفيزيائية، الهندسية، والعلمية التي تجعل وصول هذه النظارات لقمة الكمال والانتشار أمراً صعباً جداً في الوقت الحالي:

أزمة البطارية وإمداد الطاقة: لكي يكون الذكاء الاصطناعي ذكياً وفعالاً حقاً، يحتاج إلى معالجة بيانات الكاميرا والميكروفون طوال الوقت وبشكل مستمر (التشغيل الدائم). هذه المعالجة الحية تستهلك طاقة كهربائية رهيبة. المهندسون لا يمكنهم وضع بطارية ضخمة بحجم بطارية الهاتف الذكي في ذراع نظارة رقيقة وخفيفة الوزن! حالياً، النظارات الذكية المتاحة بالكاد تصمد لعدة ساعات من الاستخدام المتقطع، وهو أمر غير مقبول إطلاقاً لجهاز من المفترض أن تعتمد عليه ويرافقك طوال اليوم.

إدارة الحرارة وتشتيتها: المعالجات الإلكترونية تولد حرارة عالية عند العمل، والبطاريات عند تفريغها السريع تولد حرارة إضافية. وضع معالج قوي يعمل بأقصى طاقته بجوار صدغ الإنسان (بالقرب من الجلد والدماغ) سيتسبب في حروق وإزعاج شديد جداً إذا لم يتم ابتكار مواد تبريد جديدة، فائقة التطور، خفيفة الوزن، وصامتة تماماً.

تقنيات العرض البصري المعقدة: دمج وتصنيع شاشات شفافة وموجهات موجية دقيقة داخل زجاج النظارة الرقيق دون زيادة سمك العدسة أو وزنها، وتوفير سطوع قوي يكفي لرؤية الرسوميات بوضوح تحت أشعة الشمس المباشرة، هو تحدٍ بصري وهندسي هائل لم تنجح أي شركة حتى اليوم في حله وإنتاجه بشكل رخيص وعملي للجمهور.

هل نحن مستعدون لعصر المراقبة الجماعية؟

هنا نأتي لأكبر حاجز اجتماعي، قانوني، وأخلاقي؛ الخصوصية. يا صديقي، هل تتذكر نظارات جوجل التي صدرت في عام ألفين وثلاثة عشر؟ لقد فشلت فشلاً ذريعاً وتاريخياً لأن الناس في الشوارع كانوا مرعوبين ومستائين من فكرة وجود شخص يجلس أمامهم في المقهى ويرتدي كاميرا قد تقوم بتسجيل تصرفاتهم في صمت. تم منعها بقوة في دور السينما، المطاعم، والمقرات الحكومية.

اليوم، عدسات الكاميرات أصبحت أصغر، أخفى، وأكثر دقة. إذا كان الجميع في الشارع يرتدي نظارات تسجل، تستمع، وتحلل كل ما تراه بالذكاء الاصطناعي، فهذا يعني حرفياً ونهاية مفهوم المساحة الشخصية. النظارة يمكنها بسهولة قراءة الرسائل الخاصة على هاتف الشخص الجالس بجوارك في الحافلة، ويمكنها تحليل مشاعر وحالة الناس النفسية من ملامح وجوههم، بل ويمكنها التعرف الدقيق على هويات الغرباء في الشارع عبر ربط وجوههم السريع ببيانات منصات التواصل الاجتماعي المفتوحة.

المرحلة الانتقالية القادمة

السؤال الذهبي والمنطقي الآن: هل ستقتل وتستبدل هذه النظارات الهاتف الذكي فوراً بمجرد صدورها؟ الإجابة التحليلية الصريحة هي: “لا، بل ستتزاوج وتندمج معه أولاً لسنوات”.

بسبب القيود الهندسية الخانقة التي ذكرناها (عجز البطارية وضعف المعالجة الحرارية)، الجيل الأول والثاني من نظارات الذكاء الاصطناعي الناجحة لن يكون عبارة عن أجهزة مستقلة تماماً وقادرة على العمل بمفردها. بل ستعمل النظارة كطرفية أو ملحق ذكي متصل بهاتفك المحمول باستمرار عبر تقنية البلوتوث السريعة. هاتفك الذكي، القابع بأمان في جيبك، هو من سيوفر الاتصال المستمر والسريع بالإنترنت عبر شبكات الجيل الخامس، وهو من سيقوم نيابة عن النظارة بمعالجة البيانات الثقيلة بفضل معالجه القوي جداً وبطاريته الضخمة، بينما النظارة ستكتفي فقط بكونها واجهة أمامية، عيناً ترى وأذناً تسمع، تنقل البيانات الخام للهاتف وتستقبل منه الإجابات والأوامر المعالجة لتعرضها لك.

هذه المرحلة الانتقالية والاعتمادية قد تستمر وتطول لخمس أو عشر سنوات قادمة، حتى تتطور علوم تقنيات النانو، ونشهد ثورة في بطاريات الحالة الصلبة، وشرائح الذكاء الاصطناعي الطرفي المدمجة لدرجة تسمح علمياً بإنتاج نظارة ذكية ومستقلة تماماً لا تحتاج لوجود أي هاتف بجوارها لكي تعمل.

التأثير الجذري على صناعة المحتوى البصري والإعلانات

من زاوية تحليلية أخرى، يجب أن ننظر بعمق إلى كيف ستؤثر هذه النظارات على طريقة استهلاكنا للمحتوى الرقمي والإعلامي. حالياً، صناع المحتوى والمنصات يعتمدون بشكل كلي على مقاسات الشاشات المسطحة (المقاسات الطولية لتطبيقات الفيديو القصير، والمقاسات العرضية للمنصات الكبرى). مع دخول وانتشار النظارات الذكية، سيصبح المحتوى بأكمله محتوى مكانياً وتفاعلياً يحيط بك.

التطبيقات ستتغير واجهاتها بالكامل لتصبح عناصر ثلاثية الأبعاد عائمة في الفضاء المحيط بك أينما نظرت. الإعلانات التجارية قد لا تعود مجرد لافتات قماشية في الشارع، بل ستتحول إلى مجسمات ثلاثية الأبعاد تفاعلية تظهر فقط داخل نظارتك عندما تنظر إلى واجهة متجر معين أو منتج محدد. الذكاء الاصطناعي سيقوم بفلترة وتعديل ما تراه حرفياً؛ فإذا كنت تكره رؤية الإعلانات في الشوارع، قد تتمكن قريباً من استخدام أداة حجب الإعلانات متطورة تقوم بحجب لوحات الإعلانات الحقيقية في الشارع وتستبدلها بصور مناظر طبيعية هادئة أو مساحات فارغة داخل عدسة نظارتك! نحن نتحدث هنا عن تغيير جذري، مخيف، ومثير في هندسة الإنترنت والاقتصاد الرقمي المعتمد على لفت الانتباه.

الأسئلة الشائعة التي تهم المستخدم

هل ستتسبب نظارات الذكاء الاصطناعي بضرر وضعف في النظر بمرور الوقت؟
هذا أحد أبرز وأهم المخاوف الطبية الحالية. الشاشات وأجهزة العرض القريبة جداً من شبكية العين قد تسبب إجهاداً شديداً للعين وجفافاً إذا لم تتم معايرتها هندسياً لتعطي وهماً بصرياً مريحاً بأن الصورة المعروضة تقع على بعد أمتار طويلة وليست ملتصقة بالعين. الشركات تستثمر المليارات في تطوير تقنيات بصرية تجعل العين تركز وترتاح في المسافات الطبيعية، لكن الاستخدام المفرط لأي جهاز يبعث الضوء قريباً جداً من الشبكية سيظل محل دراسة طبية ومراقبة مستمرة.
متى نتوقع كجمهور أن تصبح هذه النظارات سائدة ومتاحة كالأسواق الحالية للهواتف؟
المحللون التقنيون يتوقعون أن تبدأ النظارات الذكية (في مرحلتها كأداة مساعدة وملحق للهاتف) في الانتشار الواسع والاعتماد بين عامي ألفين وستة وعشرين وألفين وثمانية وعشرين. أما النظارات المستقلة تماماً والتي يمكنها بالفعل استبدال الهاتف الذكي كلياً والتفوق عليه، فمن غير المتوقع علمياً أن تصل للأسواق الاستهلاكية الكبرى بأسعار مقبولة للجميع قبل عام ألفين واثنين وثلاثين، نظراً لحاجتها الملحة لاختراقات علمية كبرى في مجال البطاريات والشرائح الميكروية.
هل يمكن طبياً إضافة وتركيب عدسات طبية لنظارات الذكاء الاصطناعي؟
نعم، بكل تأكيد. الشركات الكبرى أدركت مبكراً أن الشريحة الأكبر من المستخدمين المحتملين للتقنية يرتدون بالفعل نظارات طبية لتحسين الرؤية. على سبيل المثال، شراكة شركة ميتا مع علامة راي بان الشهيرة تتيح للمستخدم تفصيل وتركيب العدسات بوصفة طبية دقيقة ومخصصة، أو حتى كعدسات شمسية متلونة، بحيث يدمج المستخدم بسهولة بين حاجته الطبية للتصحيح البصري وبين الميزات التقنية دون الحاجة لارتداء أو تبديل نظارتين.
كيف سيتم التحكم في النظارة وإعطاء الأوامر بدون وجود شاشة لمس مألوفة؟
التحكم الأساسي والسريع سيكون عبر الصوت من خلال التحدث وإعطاء أوامر لنموذج الذكاء الاصطناعي. وكطرق بديلة وعملية بسبب الضوضاء في الأماكن العامة، ستعتمد النظارات على اللمس الإيماءي الخفيف على ذراع النظارة الجانبي، وتتبع حركة العين الدقيقة للاختيار والتمرير بين القوائم، بل وتطوير تقنيات مستقبلية لقراءة الإشارات العصبية الخفيفة من المعصم (عبر أساور ذكية مرافقة) للتحكم الدقيق، الصامت، والسري دون الحاجة للتحدث بصوت عالٍ أو تحريك اليد بشكل ملفت في الأماكن العامة.

مميزات نظارات الذكاء الاصطناعي المتوقعة

  1. توفير ترجمة فورية حية ومباشرة تكسر حواجز اللغة في السفر والاجتماعات الدولية.
  2. تتيح ملاحة آمنة وسهلة بدون الحاجة لتشتيت الانتباه بالنظر لشاشات الهواتف في الشارع.
  3. وصول سريع ولحظي للمعلومات من خلال المساعد الصوتي الذي يرى البيئة المحيطة ويحللها.
  4. تعمل كمساعد مهني وتعليمي يبرز التفاصيل الفنية ويوجه المستخدم خطوة بخطوة.
  5. تقليل الاحتكاك والجهد المبذول في استخدام التكنولوجيا ودمجها بسلاسة في روتين الحياة.

التحديات والمخاطر التقنية والاجتماعية

  1. تشكل تهديداً خطيراً وغير مسبوق للخصوصية والمساحة الشخصية للأفراد في الأماكن العامة.
  2. تواجه تحديات هندسية ضخمة في تصغير حجم البطاريات وتطوير أنظمة تبريد فعالة للمعالجات.
  3. احتمالية التسبب في إجهاد العين والصداع عند الاستخدام المطول للشاشات القريبة من الشبكية.
  4. الاعتماد المبدئي والإجباري على الهاتف الذكي كمعالج أساسي مما يجعلها مجرد ملحق إضافي.
  5. تكلفة إنتاج وتطوير متوقعة ستكون مرتفعة جداً في الأجيال الأولى وتجعلها حكراً على فئة محدودة.

التحليل الاستراتيجي: متى ننصح بالتحول للنظارات ومتى ننتظر؟

ننصح بالاستعداد لها: للمهنيين الذين تعتمد طبيعة عملهم على استخدام كلتا اليدين ويحتاجون للوصول السريع للمعلومات والأدلة (مثل المهندسين، الأطباء، وعمال الصيانة). كما ستكون تقنية ثورية للأشخاص الذين يعانون من ضعف البصر حيث يمكن للنظارة أن تقرأ وتصف لهم البيئة المحيطة، وبالطبع للمتبنين الأوائل ومحبي التكنولوجيا الحديثة الذين يرغبون في تجربة أحدث ابتكارات الحوسبة المدمجة والذكاء الاصطناعي التفاعلي.

ننصح بالتريث والانتظار: للأشخاص المهتمين بشدة بأمنهم الرقمي وخصوصية بياناتهم، حيث ستحتاج هذه التقنية لسنوات من النزاعات القانونية لإرساء قواعد واضحة تحمي المستخدمين. كما يُنصح بالانتظار وعدم الاندفاع في المرحلة الحالية والسنوات الأولى من الإطلاق، حيث ستكون الأجهزة عبارة عن نماذج اختبارية باهظة الثمن، تعاني من قصر عمر البطارية والاعتماد الكلي على الهاتف، ومن الأفضل انتظار نضوج التقنية وصدور أجهزة مستقلة تماماً ومستقرة الأداء.

نصيحة لك

 يجب أن ندرك أن نظارات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد إكسسوار تقني عابر أو صرعة مؤقتة؛ إنها تمثل الحتمية التكنولوجية القادمة والمنصة التي ستحل محل الشاشات. الهواتف الذكية وصلت بالفعل إلى ذروتها القصوى في التصميم والفائدة، والبشر يبحثون دائماً بالفطرة عن تقليل الجهد المبذول وتسهيل الاحتكاك بين أفكارهم وتنفيذ المهام. أن تمتلك مساعداً ذكياً ومدمجاً يرى بعينيك ويسمع بأذنيك هو أقرب شيء يمكن للبشرية أن تصل إليه في محاكاة التخاطر التقني المباشر.

من خلال تحليلنا العميق للتوجهات التقنية الحالية والمشاكل الهندسية المتوقعة، ندرك تماماً أن الطريق لا يزال طويلاً ومحفوفاً بعقبات الخصوصية المعقدة، وقصر عمر البطارية، وحرارة المعالجات المزعجة. الهاتف الذكي بشكله الحالي لن يختفي غداً صباحاً، بل سيكون هو المحرك القوي المخبأ في جيبك والذي يشغل ويدير هذه النظارات لسنوات قادمة. ولكن، يوماً ما وبكل تأكيد، سينظر أحفادنا إلى الهواتف الذكية الزجاجية التي نمسكها اليوم باهتمام، تماماً كما ننظر نحن اليوم بتعجب إلى الهواتف الأرضية الثقيلة ذات القرص الدوار.