تقارير صحفيه

رسائل جوجل تختبر ميزة كشف الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي داخل المحادثات

سلوي احمد

محرر تقني • يونيو 25, 2026

img_20260617_2647ed77
يا صديقي، لقد وصلنا إلى مرحلة أصبحنا فيها نشك حتى فيما نراه بأعيننا! في الأشهر القليلة الماضية، شهدنا طفرة مخيفة في واقعية الصور التي يولدها الذكاء الاصطناعي. صور لأشخاص وهميين في أماكن حقيقية، أو مستندات مالية مزيفة تبدو وكأنها التقطت بكاميرا احترافية. هذا التطور المذهل، بقدر ما هو مفيد للإبداع، فتح أبواباً واسعة لحملات التضليل والاحتيال عبر تطبيقات المراسلة.
للسيطرة على هذه الفوضى البصرية، قررت شركة جوجل أخذ خطوة استباقية بالغة الأهمية. فمن خلال تفكيك الأكواد البرمجية للنسخ التجريبية الأخيرة من تطبيق “رسائل جوجل” (Google Messages)، ظهرت خطة لدمج ميزة هندسية جديدة تهدف إلى كشف وفضح التزييف العميق.

هذه الميزة ستمكن التطبيق من “فحص وتحليل” الصور التي ترسلها أو تستقبلها داخل المحادثة بشكل لحظي، ليحدد لك بوضوح ما إذا كانت هذه الصورة حقيقية، أم أنها نتاج برمجيات الذكاء الاصطناعي. وبناءً على ذلك، سيضع التطبيق علامة تحذيرية صريحة أمامك.

وباعتمادنا على المنهجية التحليلية الصارمة بقلم الناقد، والمجردة من العواطف أو الانطباعات الفردية، قررنا وضع هذه التقنية تحت مجهر التشريح البرمجي. كيف سيتمكن تطبيق المراسلة من التجسس على الصور دون كسر التشفير الذي يحمي خصوصيتك؟ ما هي التقنيات الخفية التي تميز الصورة الحقيقية عن المزيفة؟ وما هي المواقف التي قد تفشل فيها هذه التقنية فشلاً ذريعاً؟ دعنا نأخذك في رحلة عميقة لدهاليز الأمن السيبراني لتعرف كيف ستحميك جوجل من الخداع البصري.

1.  لماذا نحتاج إلى كاشف رقمي في محادثاتنا؟

لفهم الضرورة الملحة لهذا التحديث، يجب أن نلقي نظرة على التطور الأخير لتطبيق رسائل جوجل. التطبيق لم يعد ذلك البرنامج البسيط المخصص لرسائل الـ SMS القديمة والمكلفة، بل تحول بفضل تقنية (RCS) إلى منصة تراسل قوية تنافس واتساب وتيليجرام، تتيح إرسال الصور عالية الجودة، ومشاركة الملفات، وإجراء المحادثات الجماعية.

مع هذه القوة والانتشار، بدأ المحتالون باستغلال التطبيق لإرسال صور مزيفة لأشخاص في مواقف مختلقة بغرض الابتزاز، أو إيصالات دفع وهمية، أو صور لمنتجات غير موجودة لإقناع الضحايا بتحويل الأموال. المشكلة الحقيقية تكمن في “الانحياز التصديقي” للعقل البشري؛ فعندما تصلك صورة في سياق محادثة شخصية من رقم يبدو مألوفاً، يميل عقلك لتصديقها فوراً كدليل واقعي.

غياب أي أداة تقنية تؤكد أو تنفي صحة الصورة جعل من تطبيقات المراسلة بيئة خصبة لانتشار الشائعات والاحتيال البصري. من هنا، أدركت جوجل أن دمج “مفتش رقمي” داخل التطبيق ليس مجرد ميزة إضافية للرفاهية، بل هو ضرورة أمنية لا غنى عنها لحماية ملايين المستخدمين الذين يعتمدون على نظام الأندرويد في تواصلهم اليومي.

2. كيف يكتشف التطبيق زيف الصور؟

السؤال التقني الأهم الذي يطرح نفسه هنا: كيف سيعرف التطبيق أن هذه الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي؟ هل سيعتمد على تحليل بكسلات الصورة للبحث عن أخطاء في رسم الأصابع أو الظلال غير المنطقية كما نفعل نحن بالعين المجردة؟ الإجابة هي لا، التقنية أعمق وأدق من ذلك بكثير، وتعتمد على ما يُعرف بالبيانات الوصفية المشفرة (Cryptographic Metadata).

تطبيق رسائل جوجل سيعتمد بشكل أساسي على معيار عالمي جديد للشفافية الرقمية يُسمى (C2PA). هذا المعيار أشبه بـ “بصمة رقمية أو شهادة ميلاد مخفية” يتم دمجها وخبزها داخل كود الصورة نفسها لحظة توليدها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي المحترمة (مثل برامج أدوبي، أدوات جوجل، وأدوات مايكروسوفت). هذه البصمة الرقمية لا يمكن رؤيتها بالعين البشرية إطلاقاً، ولكنها تحتوي على سجل تاريخي ثابت يوضح الأداة التي صنعت الصورة ووقت صنعها.

بالإضافة إلى هذا المعيار العالمي، ستعتمد جوجل على تقنيتها الخاصة المتمثلة في خوارزمية العلامات المائية غير المرئية (SynthID). عندما تستقبل صورة في محادثة، يقوم التطبيق بفحص كود الصورة في أجزاء من الثانية. إذا عثر التطبيق على بصمة C2PA أو علامة SynthID، فإنه يدرك فوراً وبشكل قاطع أن هذه الصورة غير حقيقية.

3. واجهة المستخدم (UI) – كيف ستظهر لك النتيجة داخل الدردشة؟

تحويل هذه البيانات البرمجية المعقدة والملفات المشفرة إلى واجهة بسيطة وسهلة الفهم للمستخدم العادي هو تحدٍ كبير في تصميم تجربة المستخدم (UX). وفقاً لتفكيك ملفات النسخة التجريبية للتطبيق، فإن النظام لن يقوم بفرض الوصاية عليك؛ بمعنى أنه لن يقوم بحظر الصورة، أو تشويهها، أو حذفها من جهازك، بل سيقوم بدوره في “التوعية والإرشاد”.

عندما تفتح صورة مستقبلة في الدردشة لعرضها بملء الشاشة، سيظهر لك زر معلومات صغير (Info Badge) يطفو في الزاوية العلوية أو السفلية من الشاشة. عند الضغط على هذا الزر، ستنبثق لك بطاقة تعريفية توضح لك إحدى الحالات الثلاث:

  • مولدة بالذكاء الاصطناعي (AI-Generated): رسالة صريحة وواضحة تخبرك أن هذه الصورة بالكامل تم إنشاؤها عبر أوامر نصية ولم تلتقطها عدسة كاميرا حقيقية قط.
  • معدلة بالذكاء الاصطناعي (Edited with AI): ستظهر هذه الرسالة إذا كانت الصورة في الأصل حقيقية والتقطت بكاميرا، ولكن تم استخدام أداة ذكاء اصطناعي (مثل الممحاة السحرية) لإزالة شخص منها أو إضافة عناصر غير موجودة في الواقع.
  • لا توجد معلومات (No Origin Info): وهذا يعني أن الصورة لا تحتوي على أي بصمات رقمية واضحة يمكن للنظام قراءتها، وفي هذه الحالة، يجب عليك استخدام حدسك البشري وتفكيرك النقدي لتقييم مصداقيتها.

4. الخصوصية والتشفير (E2EE) – هل تقرأ جوجل رسائلي وصوري الخاصة؟

المنهجية التحليلية الصادقة بقلم الناقد تلزمنا بالتوقف فوراً عند نقطة بالغة الحساسية: الخصوصية. بروتوكول RCS في رسائل جوجل يدعم ميزة “التشفير من طرف إلى طرف” (End-to-End Encryption)، وهذا يعني ببساطة أن جوجل نفسها، أو أي جهة حكومية، أو أي مخترق، لا يمكنه رؤية محتوى رسائلك أو صورك على سيرفرات الشركة. إذا كانت جوجل لا ترى صوري، فكيف سيقوم التطبيق بفحصها وتحليلها؟

هنا تبرز العبقرية الهندسية لجوجل في الحفاظ على الأمان؛ عملية الفحص والتحليل لبصمة الـ C2PA تتم محلياً بالكامل على جهازك أنت (On-Device Processing). عندما تستقبل الصورة ويقوم هاتفك بفك تشفيرها ليعرضها لك على الشاشة، يقوم التطبيق بقراءة الميتا داتا من الذاكرة العشوائية الخاصة بجهازك فقط، ولا يقوم بإرسال أي بايت من الصورة إلى خوادم جوجل السحابية للفحص.

هذا التصميم الهندسي الصارم يضمن استمرار عمل ميزة الكشف عن التزييف بكفاءة عالية، دون التضحية ولو بجزء بسيط من مستويات الخصوصية، ودون كسر جدار التشفير الآمن الذي يحمي محادثاتك.

5. الثغرات التقنية وحدود الميزة – متى يفشل التطبيق في كشف الزيف؟

بصفتنا محترفين في التقنية، نعلم جيداً أنه لا يوجد نظام أمني مثالي في هذا العالم. لذلك، يجب أن نعرض لك التحديات الفيزيائية والبرمجية التي تجعل هذه الميزة غير قادرة على كشف 100% من الصور المزيفة في الوقت الحالي:

غياب المعايير وضغط الصور

المعيار الرقمي (C2PA) تلتزم به الشركات الكبرى والمحترمة فقط. لكن، إذا قام محتال بتوليد صورة باستخدام نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر (Open Source) وتم تعديلها يدوياً على جهاز كمبيوتر شخصي، فإنه يمكنه ببساطة توليد الصورة بدون تضمين هذه البصمة الرقمية من الأساس، وبالتالي سيعجز تطبيق جوجل عن كشفها. إضافة إلى ذلك، بعض منصات التواصل الاجتماعي تقوم بـ “تجريد” البيانات الوصفية لتقليل حجم الصورة. إذا تم إرسال الصورة عبر منصة تقوم بمسح الميتا داتا ثم إعادة إرسالها إليك، فقد تُفقد البصمة الرقمية للذكاء الاصطناعي في الطريق.

ثغرة لقطة الشاشة (Screenshot) القاتلة

هذه هي الثغرة الفيزيائية الأبسط والأخطر على الإطلاق والتي تدمر النظام بأكمله. إذا قام المحتال بتوليد صورة بالذكاء الاصطناعي (تحتوي على البصمة الرقمية وتكتشفها الميزة بسهولة)، ثم قام بفتحها على شاشته والتقط لها (لقطة شاشة – Screenshot) وأرسل لقطة الشاشة إليك، فإن الصورة الجديدة ستُعامل برمجياً كصورة جديدة تماماً خالية من أي بصمات، ولن يتعرف عليها التطبيق كصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي!

الأسئلة الشائعة التي تهم المستخدم (FAQ)

هل ستتوفر هذه الميزة لرسائل الـ SMS العادية القديمة؟
الميزة مصممة للعمل بكفاءة حصرية مع بروتوكول (RCS). السبب تقني بحت؛ فهذا البروتوكول يسمح بإرسال الصور بجودتها الأصلية (Original Quality) مع الحفاظ على البيانات الوصفية (Metadata) كما هي. رسائل الـ SMS/MMS التقليدية تقوم بضغط الصور بشدة وتجريدها من البيانات لتصغير حجمها، مما يدمر بصمات الـ C2PA ويجعل فحصها أمراً مستحيلاً.

متى سيتم طرح الميزة بشكل رسمي لجميع المستخدمين؟
الميزة لا تزال في مرحلة التطوير ومدفونة في أكواد النسخ التجريبية. عادةً ما تستغرق الشركة بضعة أشهر لجمع البيانات وإصلاح الأخطاء البرمجية وضمان عدم تسبب خوارزمية الفحص في استهلاك البطارية أو إبطاء التطبيق، قبل إرسال التحديث المستقر لكافة هواتف الأندرويد عالمياً.

هل تعمل هذه التقنية المعقدة على الفيديوهات والرسائل الصوتية أيضاً؟
في مرحلتها الأولى الحالية، التركيز الهندسي ينصب بالكامل على كشف (الصور الثابتة) نظراً لتوحيد المعايير بشكل أكبر في مولدات الصور. كشف الفيديوهات والصوت المولد بالذكاء الاصطناعي بشكل لحظي داخل تطبيق مراسلة يتطلب قوة معالجة ضخمة جداً، وهو أمر ما زال قيد البحث والتطوير المتقدم في مختبرات الشركة.

نصيحة لك

خطوة دمج كاشف للذكاء الاصطناعي داخل تطبيق المراسلة الأساسي هي خطوة دفاعية ممتازة وضرورية جداً في عصر تتلاشى فيه الحدود بين الحقيقة والخيال الرقمي. التطبيق الذي نستخدمه يومياً لإنجاز أعمالنا والتواصل مع عائلاتنا يجب أن يحتوي على أدوات قوية تحمينا من التلاعب البصري والاحتيال الموجه.

التحليل البرمجي يؤكد أن الاعتماد على المعالجة المحلية لبصمات التشفير داخل هاتفك هو أفضل حل هندسي ممكن يوازن ببراعة بين فضح التزييف العميق، وبين الحفاظ على التشفير الآمن والخصوصية. ورغم وجود ثغرات فيزيائية بديهية ومحبطة كلقطات الشاشة التي تدمر البيانات الوصفية وتخدع النظام، إلا أن مجرد وجود هذه الأداة سيمثل جداراً أولياً رادعاً للمحتالين الهواة، والأهم من ذلك، أنه سيزيد من الوعي الرقمي للمستخدمين ويدفعهم للتوقف والتفكير النقدي قبل تصديق أي صورة تصلهم في رسالة.